حسن بن عبد الله السيرافي

246

شرح كتاب سيبويه

وقوله : " قد كفّرت آباؤها أبناؤها " ، فآباؤها يرتفع بكفرت ، ومعناه : لبست السلاح وتغطت به ، ويرتفع " أبناؤها " بتشاجر ، كما يرتفع الفاعل بالمصدر ، كأنه قال : حرب تردّد بينهم بأن يتشاجر أبناؤها فلبست الآباء السلاح بتشاجر الأبناء ، وقد كان ينبغي أن لا يفرق بين ما قد ارتفع بتشاجر وبين تشاجر بقوله : " قد كفرت " ؛ لأن ما يعمل فيه المصدر بمنزلة الصلة فاعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى . وفي هذين البيتين وجه أقرب من هذا من غير ضرورة ، وهو أن يجعل " حلماؤها " ابتداء و " سفهاؤها " خبرا له ، ومعناه أن حليمهم صار سفيها ، وكذلك " أبناؤها " و " آباؤها " مبتدأ وخبر ، يعني من طول ترددها قد صارت أصاغرها ، ومن نشأ فيها ، كبارا . قال الفرزدق : فليست خراسان الّتي كان خالد * بها أسد إذ كان سيفا أميرها فهذا البيت يدخله النحويون في ضرورة الشعر ، ويذكرون أنه يمدح " خالدا " ويذمّ " أسدا ، وكانا واليين بخراسان ، و " خالد " قبل " أسد " ، وتقديره : وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها ، ويكون رفع " أسد " بكان الثانية ، و " أميرها " نعت له ، وكان في معنى وقع ، ويجوز أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن ، ويكون " أسدا " و " أميرها " مبتدأ وخبرا في موضع خبر الضمير . وقال أبو سعيد : وهذا عندي كلام فاسد ؛ لأن الاسم لا يرتفع بكان وهو قبله ، والمعنى فيه على غير ما قدّروه ، وليس في البيت ضرورة ، على أنّا نجعل " أسدا " بدلا من " خالد " ونجعله هو خالد ، على سبيل التشبيه له بالأسد ، فكأنه قال : فليست خراسان التي كان بها أسد إذ كان سيفا أميرها ، وتجعل " سيفا " خبرا لكان الثانية ، وتجعل " أميرها " الاسم ، وإن شئت جعلت في كان الثانية ضميرا من أسد وجعلت أميرها بدلا من الضمير و " سيفا " هو الخبر . وقال الفرزدق : وترى عطيّة ضاربا بفنائه * ربقين بين حظائر الأغنام متقلّدا لأبيه كانت عنده * أرباق صاحب ثلّة وبهام " 1 "

--> ( 1 ) البيتان في ديوانه ص 580 .